محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
170
الظرف والظرفاء
باب ما جاء فيمن تعفّف في محبّته ورعى عقود عهود مودّته « [ 134 ] » وما وجدنا أحدا من العرب يفعل ذلك ، ولا صمد نحوه ، وقد كان الواحد منهم يعشق من أول دهره إلى آخره لا يحاول فسقا ولا يقرب رفثا ، ولم يكن لهم مراد إلا في النّظر ، ولا حظّ في غير الاجتماع والمؤانسة ، والحديث والشعر ، كما قال الفرزدق « 1 » : [ من الوافر ] وجدت الحبّ لا يشفيه إلّا * لقاء يقتل الغلل النّهالا أحبّ من النساء ، وهنّ شتّى ، * حديث النّزر ، والحدق الكلالا موانع للحرام بغير فحش ، * وتبذل ما يكون لها حلالا « 2 » وكان الواحد منهم إذا تعلّق خلّة لم يفارقها حتّى الممات ، ولم يشغل قلبه بغيرها ، ولم يهمّ بالسّلوّ عنها ، وقصر طرفه عمّن سواها ، وكذلك هي أيضا كانت له بتلك المنزلة ، فأيّهما هلك قبل صاحبه قتل الآخر نفسه في أثره ، أو عاش حافظا لودّه قائما بعهده ، لا ينسى ذكره ، ولا يصل غيره . فاستحسن الناس الملل والاستبدال ، والغدر والانتقال ، وصار أشدّهم ظرفا ، وأحسنهم إلفا ، يتعشّق السّنين الكثيرة ، والدهور الطويلة ، ويتوّهم بفعله أنّه عاشق ، فإذا فقد حبيبه يوما
--> ( [ 134 ] ) . . . ( 1 ) الأبيات في ديوان الفرزدق 2 : 99 . ( 2 ) ورد صدر هذا البيت في الأصل : موانع للحرام وكل نحس . والتصحيح من الديوان .